ابن بسام
173
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
التأليف ، وقضى به التصنيف ، لحلّ ذكره من هذا الديوان محلّ زحل من الفلك ، والتاج من مفرق الملك . وقد قدّمت في أخبار القاضي ابن عبّاد من إظلام أفقه - كان - على الأشكال ، واجتماع فرقه من ( غير ) الأغفال « 1 » ، بما أغنى عن إعادة المقال . وكان الفقيه جدّه محمد بن مروان بن زهر « 2 » ، منشأ تلك الدولة العبادية أوّل من تثنى عليه الخناصر ، وتشير إليه القلوب والنّواظر ، وتفتقر إلى ما لديه الألباب والبصائر ، فضاقت دولته عن مكانه ، ضيق صدر العاشق عن كتم أشجانه ، واسترابت لجلالة شأنه ، استرابة المنافق بتلجلج لسانه ؛ وأهمّه أمره حتى أخرجه عن بلده ، واستصفى ذات يده ، فلحق بشرق الأندلس ، وأقام بها بقيّة عمره ، بين جاهه ووفره ، وفي حصن حصين من سلامة سرّه وجهره . ونشأ ابنه الوزير أبو مروان عبد الملك بن محمد « 3 » فما بلغ أشدّه ، حتى سدّ مسدّه ، بل ما خلع تمائمه ، حتى استوفى مناقبه ومكارمه ، وورث مباديه وخواتمه ، ومال إلى التفنّن في أنواع التعاليم من الطبّ وغيره من العلوم ، فجمع شعاعها ، واستوفى أجناسها وأنواعها ، وجذب بضبعها ، وفرّق بين غربها ونبعها ، ورحل إلى المشرق لأداء حجّ الفريضة فملأ البلاد جلالة ، ورجح الأطواد أصالة ، ولم يلق أحدا من زعماء تلك الأقطار إلّا عوّل على ما عنده ، وتجاوز في الأخذ عنه عفوه وجهده . / ونشأ أبو العلاء زهر بن عبد الملك « 4 » فاخترع فضلا لم يكن في الحساب ، وشرع نبلا قصّرت عنه نتائج الألباب ، وكنا نتوقّع الحمام حتى سطا ، وننتجع الغمام إلى أن أعطى ، لو ساجل البحر لفضحه ، أو وازن الدهر لرجحه ، نشأ بشرق الأندلس والآفاق تتهادى عجائبه ، والشام والعراق تتدارس بدائعه وغرائبه ، ومال إلى علم الأبدان ، فلو لا جلالة قدره ، لقلنا جاذب هاروت طرفا من سحره ، ولولا أنّ الغلوّ آفة المديح ، لتجاوزت
--> ( 1 ) ل ك : فرقة من الأغفال . ( 2 ) توفي الفقيه محمد بن مروان بن زهر سنة 422 ( انظر المطرب : 293 ، والصلة 487 ، والبغية ص : 120 ، والوافي 5 : 16 ، وعبر الذهبي 3 : 150 ، وترتيب المدارك 4 : 747 ، ويبدو أنه ينقل عن ابن حيان . ( 3 ) راجع ترجمة أبي مروان عبد الملك في الذيل والتكملة 5 : 37 ، والتكملة رقم : 1691 ، وطبقات صاعد : 84 ، وابن أبي أصيبعة : 64 ، والمغرب 1 : 265 . ( 4 ) انظر في أخبار زهر بن عبد الملك كتاب التكملة : 334 ، والمطرب : 203 ، والنفح 3 : 246 ، 432 ( نقلا عن الذخيرة ) ، وبدائع البداية : 310 ، وابن أبي أصيبعة 2 : 64 - 66 . وكانت وفاته سنة 525 ودفن بإشبيلية خارج باب الفتح .